X
Read
ثقافة الحب
Monday, August 01, 2011 3:17 PM Tags: no tags     Categories: خاص جداُ

فكيف تستطيع ان تقيم ثقافة الحب في ذهن مخدّر ووعي مغمىً عليه منذ أجيال، وقلب مسحوب بحبال الكبت كما تسحب الجثة الهامدة؟ كيف تثقف جسداً لم يعتد أن يتعامل مع جسد الآخر الا من خلال الغريزة؟

ثقافة الحب.
منذ الصغر تشغلني مسألة العواطف الانسانية، وحركتها الأشبه بتيارات المحيطات، دائماً حاضرة وعلى أعماق مختلفة في النفس البشرية، والذي يتحكم بولادتها بالاجمال قوى خارجة عن سيطرة المحيط نفسه. الحب بالتحديد، كلنا مشدودون اليه بقدرة تتجاوزنا، نعرف أنه محرك الحياة فينا، احتياجنا اليه في غيابه هو الوجع الأشرس، و جميعنا الى حدّ أو آخر فشلنا في الوصول اليه، وبقيت ثلوج قمته عذراء، قلة هي القلوب التي استطاعت أن تلامسها حتى بأطراف الأصابع. لماذا؟ ما هو هذا السر المنيع المسيّج بالدموع ، الملتف بضباب النهدات من كل الألسنة واللغات؟ من هو هذا السجين فينا وكلنا أشقياء خلف قضبانه؟ من هو هذا الملتصق فينا الغريب عنا، الذي يملأنا ولكن كمياه جوفية في أقحل صحراء لم يقدر ابداً، أو أننا لم نسمح له أن يتفجّر ويرطب ويجمّل ويهذب تفسخات ظمأ أرواحنا المزمن عمر العمر، وتضاريس الأرض، وكل العصور الكونية.
وأنا في خضمّ انشغالي النفسي والفكري في هذه القضية، أحلم بزمن لا يعود فيه الحب كلمة ولا فلسفة ولا قصيدة ولا لوحة، ولكن ثقافة وسلوك، أفكر ما أحوجنا الى التفرغ، الى التخصص، الى الانعزال في محراب الحب، علنا نخرج بثقافة منه أو ببعض من طبيعته. تحاصرني الرسائل من بعض الصديقات والمشاهدات تماماً كما تحاصرني حسرة الحب المفقود، تذري في عيوني وفي أحشائي غبار أوجاعهن وخيباتهن، وترتد ككثبان رمل ثقيل تتراكم فوق أنفاسي حتى أشعر بالاختناق، ليس فقط من احساسي بالعجز عن مساعدتهن، ولكن لشعوري بانسحاق الروح نيابة عن أرواحهن المنسحقة، وعدم قدرتي على الانتفاض نيابة عن كرامتهن المسلوبة، وقد تركن مضرّجات حتى الأهداب بمشاعر الذنب والعار وعدم الاستحقاق، لجرائم كنّ ضحيتها وصرن يحملن وزر بشاعتها في أجسادهن وضمائرهن وفي الذاكرة.
تطايرت ثقافة الحب أشلاء أمام غضب داخلي اجتاحني، مرّ زمن طويل ما شعرت به، فقبل ثقافة الحب نحتاج أولاً الى مبضع يقطع حبل سرة همجية الرجل العربي، الذي يسحبه خلف ثقافة الجهل والتسلط والغريزة. وأقول الرجل العربي، لأنه نصّب نفسه سيداً على هذه الثقافة التي يعتز بها، فتربّع فوق أنفاسها ومنعها من المضي ولو خطوة الى الامام. واستثنى الرجل الذي عرف المعنى الحقيقي للرجولة، وهو الذي يرهقه واقع الثقافة العربية بالمقدار نفسه الذي يرهق المرأة.
وقبل ان ننشئ فرق مدافعين عن انسانية المرأة وحقوقها وحريتها، نحتاج الى جيش من الجرّاحين يكشط عن ذلك الرجل العربي جلده اللاانساني، ويجرح عقله كما تُجرَح الأجساد لاستخراج السم منها، ويجرَح عواطفه المتبلدة التي باتت كقطيع مواشي تربض في حظيرة الجنس، عله يستيقظ الى حقيقة الألم فيرجع الى حالته الأصلية، انسان.
أودّ أن أصل بهذه الكلمات الى الرجل المثقف الذي ثقف شكله الخارجي ومظهره ومسكنه بحضارة الحرية وحق الانسان، ولم يقدر أن يثقف فكره ولا يهذب جسده ولا يروّض غرائزه، وبقي متبّلاً بثقافة الزوجات وما استطاعت الأيدي أن تملك، متشرّباً نقيع رجولة جاهلة كما تتشرب اللحوم الميتة نقيعها.
وأودّ أن أصل الى البسيط الذي تثقف على لسان من علموه حقه كرجل، ونسوا أن يعلموه أنه انسان، كي يتذكر أن يشعر كانسان حين تواجهه حالة انسانية.
فكيف تستطيع ان تقيم ثقافة الحب في ذهن مخدّر ووعي مغمىً عليه منذ أجيال، وقلب مسحوب بحبال الكبت كما تسحب الجثة الهامدة؟ كيف تثقف جسداً لم يعتد أن يتعامل مع جسد الآخر الا من خلال الغريزة؟ كيف تثقف لعاب ذئب جائع؟ كيف تعلم رجلاً لم يعرف المرأة الا بضع تعاريج ونتوءات خلف ستار، ما الفرق بين أخته أو ابنة أخيه والمرأة الاخرى؟ كيف تأتي بالحب الى رجل يندسّ في فراش ابنته ليلة بعد ليلة، يمارس شهواته الحيوانية مع تلك التي من لدنه أتت، يهدم كوحش براءتها، يطعنها في كرامتها، في عزة نفسها، في روحها، قبل أن يطعن منها الجسد، ثم يهددها بالقتل ان هي باحت بسرّها لأحد؟ كيف تثقف أباً في الحب الأبوي ؟ كيف تعلمه أن الأبوة هي أولاً حماية ورعاية وتضحية؟
كيف تثقف بالحب أخاً يتجرّأ أن ينهش جسد شقيقته؟ كيف تثقف بالحب الأخوي من لم تثقفه رهبة وقدسية الرحم الواحد والدم الواحد واللحم الواحد؟
كيف تدخل مدرسة الحب رجالاً يتباهون بارث القمع والكبت والحرمان والاستصغار والاستضعاف؟ رجالاً تعلموا العلاقة بالآخر من البيت الى المدرسة والنظام السياسي وحتى العلاقة بالله: انك عندما تكون في مركز القوة، ليس من بني جنسك الا نفسك، ولا يساويك في الغلاوة والقيمة الا شهواتك.
في مجتمع هذه قاعدته وهذا نظامه وهؤلاء هم سادته، من اين تبدأ مع المرأة في رحلة شفاء جراحها؟ تخبرها عن حب الله الآب، فينتصب في ذاكرتها وحش أنجبها ثم طعنها والتهمها. من يقدر أن يكسر في قلبها معادلة شوّهها وحش انسان؟ الأب والحب نقيضان.
تحدثها عن كرامتها التي لا تقدر ظروف أن تنتزعها منها، ولا يقدر انسان أن يسلبها اياها، لان هذه الكرامة جزء لا يتجزأ من الانسان المخلوق على صورة الله، وأنها انسان، وأنها صورة الله تماماً بكل الحب الالهي والعلم الالهي المطلق والتصميم الالهي الهادف الثابت. ولكن لكرامة هذه الابنة وهذه الشقيقة او هذه الزوجة ذاكرة غارقة في وحول الذنب الذي لم يُرتكب، ملوثة بدماء العار كما تلوث النفايات السامة مدافنها. كيف تستطيع ان تمحو ذاكرة كرامة الانسان؟
تذكّر هذه المرأة أنها حرّة، والحرية هي أول حقوق الانسان الطبيعية، وأنها نظير مساوٍ في كل الحقوق لأبيها وأخيها وعمّها وزوجها، فتقول لك حتى الله عجز أن يمحو من تاريخي استعمار هؤلاء لفكري ونفسي وجسدي. فجلدات غرائزهم محفورة في ذاكرتي. كيف تمحو من الذاكرة صور سفاحي مقدرة الانسان على الاقتراب من الله؟
من أين نبدأ ثقافة الحب؟ كيف نُلقّح بالحب مجتمعاً يُجرَّع منذ الرحم المضادات للآخر، الا الآخر الذي يخضع له؟ كيف نعلم الحب طريقاً لشفاء كل الجراح، وأول قواعد الحب أن أعترف بالآخر، وأدعه يكون اذا لم أقدر أن أساعده على أن يكون؟ كيف نؤمن بالحب مدخلاً الى كرامة بلا ذاكرة، وكأنها للتوّ خرجت من يد الله، الى ذاكرة بلا ذاكرة كأنها للتوّ عرفت أن وظيفتها حفظ الاحساس، الى قلب بلا أحزان ونحن لم نعرف من الحب بعد الا الكلمة؟
من أين نبدأ ثقافة الحب الذي وحده الحل لجراح رجل علموه أن حب المرأة عيب، وأنها مجرد وعاء تفرغ فيه شحنات التوتر العاطفي وتعب النهار، فأتاها وتعلمها أيضاً وجبة شهية، ولكنه بقي جائع الروح والقلب والأحشاء. فهو لم يعرف أبداً، أن ما يبحث عنه أولاً هو الحب في شريكة، تعادله في الضمير والنفس وسعة القلب وغنى الفكر وفورة الاحساس. وأنه لا يبحث عن الاجساد، لأنه ليس في الأجساد ما يشبع أشواق الانسان.
من أين نبدأ مع سيّد المجتمع العربي ثقافة هدفها التغيير، وهو لا يجرؤ أن يقطع حبل سرّة ثقافة ما زال يغذيه بدماء العيب والعار. وهو لا يعرف كيف يتعلم الحب من الله أولاً، ليعرف كيف يأخذ الحب وكيف يعطيه.
من أين نبدأ ثقافة الحب مع المرأة، وقد تعلمت أن الرجل، حتى وهو جارحها وقاتلها، هو وحده شافيها، وأنه وحده أمانها ومصدر الحب في حياتها، وهي لم تتعلم أبداً أن الله أكثر من يحبها، وأنه في حياتها هوالأقدر، وأن كل سطر كتب في الحب، وكل كلمة قيلت فيه، انما وحيها سماوي وليس خيال انسان.
فالحب هو ثقافة سماوية تحتاج الى لغة سماوية، بعض ما تتعلم في أبجديتها أن الحب لا يصنع شراً. فيها أيضا تتعلم أن الحب هو أن تسمح لجذور الآخر أن تمتدّ الى تربة حياتك، وأن تتشابك بشوق مع جذورك، فيصير نبض الحياة فيكما واحداً، وطعم كل المواسم واحداً. وتعلمك هذه الثقافة أن الحب ليس مجرد حرائق دماء واعصاب، وأرق الليالي الطويلة وأشواق اللقاءات والقبلات. وان تكن هذه كلها في أصالة الحب فقد تلبسها الشهوة قناعاً مزيفا وتعبر كالاعصار قلوب البشر على انها الحب ولكن ما تهدأ حرائقها وامطارها حتى لا يبقى من الحب الا اطلال شاحبة.
كاتيا سلامة  

Comments

Name : All fields marked with a red asterisk are required.
Email : (required, hidden)
Comment :