X
Read
المرونة تحت الضغط
Monday, August 22, 2016 7:48 PM Tags: no tags     Categories: كيف تشفى من الماضي
 

في أصعب وقت من أوقات حياتي، اليوم الذي فقدت أحد أفراد عائلتي، كلمني الرب بهذه الآية " ونحن نعلم أن كل الاشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعون بحسب قصده" (رسالة  رومية ٨: ٢٨). كلمة الرب لم تعزيني بل أثارت غضبي وسخطي وزادت من حزني وسألت الرب "أي خير يأتي من الموت؟" تخيل أن تقول لإنسان فقد فرداً من أفراد عائلته أو شخصاً يحبه، أو لشخص يعاني من مرض خبيث، أو لشخص خسر كل شيء "لا بأس! كل الأشياء تعمل معاً للخير. الخوف والقلق واليأس والموت كلها لخيرك!" ليس في هذا الكلام واقع يعزي. لكن الحقيقية هي أنه في هذه الأوقات بالتحديد عندما نفقد توازننا العاطفي والروحي وقدرتنا على الحكم السليم على الأمور، عندما نشعر أن الحياة تنزلق من بين أيدينا هذا هو أكثر وقت نحتاج فيه أن نتمسك ليس فقط بالإيمان بل بطاعة كلمة الله، لأن له وحده القدرة أن يخلق من الرماد جمالاً، ووحده لا يفقد الرؤيا حين تظلم رؤيتنا للحياة والأمور. في المعاناة الصعبة نحن أمام فرصة إما أن تلين قلوبنا بالتواضع أمام الله والهرب إلى محبته ، فتصير طيعة في يده ليغيرها ويشكلها أقوى وأنقى ويعطينا رؤية جديدة لمعاني الحياة ومعاني علاقاتنا وغاية وجودنا، وإما أن تتقسى قلوبنا فنمضي بقسوتنا وبؤسنا حتى نخسر كل شيء ذات معنى في حياتنالقد سألت الرب أسئلة كثيرة أتعبتني ولم أحصل على إجابة ولم أصل إلى مكان. فلا تسأل الرب الأسئلة التي لن تصل بك لأي مكان، بل إسأله أن يعطيك قدرة التمييز وقدرة النضج الروحي لتتكيّف مع تغيرات حياتك وتتابع سيرك إلى الأمام.

إسترجاع حياتنا

هناك تكيُّف بالخضوع للظروف وقبول ما نسميه بالواقع دون القيام بأي عمل للتعامل مع ما حدث وتغيير الواقع، وهذا تكيُّف سلبي. ما نحتاج إليه هو القدرة أن نسترجع حياتنا بشكل كامل، أن نواجه الحياة يوماً فيوم بشجاعة، أن نصارع من أجل حياتنا ولا نهرب للنوم والكآبة، بل نعود ونعيش الحياة بروح القوة والحماسلهذا نحتاج لما نسميه المرونة، أي القدرة على إعادة الأمور إلى النصاب الصحيح فلا نسمح للحياة أن تكسرنا. "المرونة" مطلب من مطالب الحياة الروحية لأن المشاكل والمحن والمعاناة هي جزء من نسيج الحياة

فما هي المرونة تحت الضغط أو القدرة على إستيعاب الأزمات شبه المدمرة والوثب مجدداً إلى الحياة؟ مؤخراً شاهدت فيلماً عن حياة بطل الأولمبياد الأميركي لوي زمبريني وعنوان الفليم آنبروكن، غير مكسور أو غير قابل للكسر. تسقط طائرة زمبريني في الميحط خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد مضي سبع وأربعين يوماً وهو على زورق مطاطي في عرض المحيط دون أي ماء أو طعام أوثياب، يتم أسره من قِبَل الجيش الياباني ويسجن في أحد مخيمات الحرب. تمر السنين وهو يتعرض خلالها لأصعب وأبشع أنواع التعذيب والتجويع محاولة لكسر معنوياته وإذلاله خاصة من قِبَل أحد الضباط الذي كان يعرف أنه كان بطل أولمبياد. لكن خلال الفيلم نرى أن كل أنواع  التعذيب والإذلال والضغط لم تقدر أن تكسر زمبريني. السؤال الذي قد تسأله لنفسك لا سيما أن القصة حقيقية، كيف إستطاع أن يتحمل؟ لماذا لم يستسلم للموت مع أن الموت كان أسهل ربما من التعذيب والإذلال، من أين أتى بهذه القوة؟ هل قدرة المرونة تحت الضغط موهبة يعطيها الله للأشخاص الخارقين، لأشخاصٍ   مميزين؟

تقول كلمة الرب "ليقل الضعيف بطل أنا" (يوئيل ٣: ١٠). المقدرة على مواجهة المعاناة والظروف القاسية هي قدرة يملكها كل إسان، فأنت الذي تعتبر نفسك خجولاً ولا تقدر أن تفعل أي شيء عندك القدرة أن تواجه الحياة والناس، عيك أن تتشجع وتلتفت إلى قدرتك وتنميها. هناك ثلاثة أمور يجب أن نعرفها عن طبيعة المقدرة على التكييف وعدم الإنكسار:

١- القدرة على التغلب على كل ظرف صعب في حياتنا شيء طبيعي جداً وليس شيء خارق للطبيعة. كل إنسان يملكها لأن الله أعطاها لكل إنسانيعلمنا الكتاب المقدس "لأن الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح" (رسالة تيموثاوس الثانية ١: ٧). القوة هي روح، حالة داخلية. هي تصميم أن لا نستسلم لأننا لسنا وحدنا، الله معنا. يخبرنا سفر دانيال أنه عندما صدر أمر من ملك بابل نبوخذ نصر بقتل كل الحكماء في بابل لأنه لم يقدر أحد أن يفسرله الحلم الذي رآه، صلى دانيال للرب وقال "إياك يا إله آبائي أحمد وأسبح الذي أعطاني الحكمة والقوة وأعلمني الآن ما طلبناه منك لأنك أعلمتنا أمر الملك" (دانيال ٢: ٢٣). عندما وقف دانيال أمام الرب، شكر الرب متيقناً أن الله سبق وأعطاه قوة، ليس روح القوة وروح الحكمة فحسب، بل أعطانا الله روح عدم الإنكسار والمقدرة على مواجهة الألم والضيق وأن ننتصر. تذكر اليوم أنك تملك قوة مثل كل الذين تراهم أقوياء. القوة هي قرار مواجهة الواقع بالعمل الجاد عالمين ان يد الله معناوآمن أنك تتأيد بهذه القوة في إنسانك الباطنيقول سليمان النبي في سفر الأمثال "الرجل الحكيم في عز وذو المعرفة متشدد القوة" (أمثال ٢٤: ٥). معرفة الحق تعطينا قوة، والمعرفة الباطلة تجعلنا ضعفاء.

٢- القدرة على مقاومة الظروف الصعبة والتغلب عليها لا تعني أبداً أن لا يكون عندنا مشاعر سلبية ومشاعر تتعبنا وتسبب لنا الألم، لا يمكن أن تخسر شخص تحبه وتكون قادراً على الضحك والمزحإن كان الشخص الذي تحبه مريض ستشعر بالحزن والكآبة والخوف وهذه المشاعر طبيعية مثل الفرح والسلام والثقة بالنفس. القوة لا تعني أننا لن نختبر الأحاسيس الصعبة كما هو واضح في كلمة الرب "مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين. متحيرين لكن غير يائسين" (الرسالة الثانية لأهل كورنثوس ٤: ٧). هذه المشاعر ليست الصورة الكاملة الحقيقية لكل حياتنا ولا يمكننا أن نتركها تقود حياتناالرب يسوع أعطانا تعليماً مهماً جداً هنا وهو "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وتشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس" (متى ٦: ٢٥).

حياتك أفضل وأهم من كل شي. قد يفكر أحدهم ويتساءلما هي حياتي؟ ولما أنا حي؟حياتك ليست الإنسان الذي كسر قلبك، حياتكِ لم تنته، لأن زوجكِ ترككِ. حياتك لم تنته لأنك لم تقدر أن تصل إلى ما وصل إليه غيرك. حياتك لا يحددها ما يقوله الناس عنك. حياتك هي علاقتك مع الرب، والله له مشيئة صالحة في حياة كل واحد منا. تستطيع أن تجدِّد علاقتك مع الله في هذه اللحظة. حياتك هي في أفكارك التي يريد الله أن يجددها بقوة. حياتك هي إرادتك القوية. حياتك هي كل قرار تتخذهُ دون أن يكون للماضي علاقة به ومن دون أي خوف من الغد. حياتك هي هدف له معنى وقمية والهدف أنت تملكه ولا يملكه آخر.

٣- القدرة على الثبات وعدم الإنكسار هي مجموع أفكارنا وأفعالنا وشخصيتنا. الشيء الذي تفكر به ويساعدك كي تتغير حياتك للأفضل يجب ان تفعله، فما تفعله اليوم وتعيد فعله غداً يخلق فيك إنساناً قوياً قادراً. كل واحد منا هو مجموع أفعاله وكل شيء نقوم به يدل على شخصيتنا. إن تدربت كل يوم على التزلج قد تصبح بطل تزلج وإن تدربت كل يوم على لعبة الشطرنج تصبح لعيباً محترفاً وإذا درست الطب سبع سنين تصبح طبيباً. إذاً، أفعالك تشكل حياتك. إن واجهت كل يوم الحياة بقوة تكتشف كم تمتلك من الشجاعة والقدرة للتغلب على الظروف.  

ظروف الحياة تفاجئ كل واحد منا

قال الرب يسوع لبطرس " هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة" (لوقا ٢٢: ٣١). الشيطان دائماً في المرصاد للمؤمن، وطبيعتنا تجعلنا في بعض الأحيان نتعاون مع الشيطان ضد أنفسنا. فقد نكون عارفين أين الحق وأين الصح وأين سلام حياتنا لكن في لحظة ضعف نختار الشيء الذي يكسرنا ويذلنا ويجعلنا نشعر أن حياتنا ليس لها قيمة، "الشيطان طلبكم لكي يغربلكم"، لكن الرب يسوع قال أيضا ً لبطرس "ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك” (لوقا ٢٢: ٣٢ ). الشيطان طلبك لكن لك شفيع عند الله هو الرب يسوع، وشفاعة الرب يسوع ثابتة دائمة عند الله لأجلنا. أشكر الرب على شفاعته اليوم واستخدمها لأجل تغيير حياتك. الرب يسوع قل لبطرس قبل أن يقع بطرس في التجربة أنا طلبت لأجلك، المسيح طلب لأجلك أنت أيضاً ولأجلي أنا كي لا يفنى إيماننا. لماذا لم يقُل المسيح  لبطرس "طلبت لأجلك لكي لا تفني قوتك" بل "لكي لا يفنى إيمانك؟" لأن الإيمان دائماً يسبق الفعل. يجب أن تؤمن بالنجاح كي تنجح وتؤمن بالرجاء كي ترى الخير يجب أن تؤمن أنك تمتلك القوة كي تتصرف بقوة. المشكلة هي مشكلة عدم إيمان وليست إنعدام القوةالأزمة لا تعني أننا خسرنا الشجاعة والجرأة والمهارات التي علمتنا إياهن الحياة، المحنة لا تجعلنا ننسى الخير والحق، لكن المحنة تغطي حصن الشجاعة والقوة في داخلنا مثلما يغطي الضباب الأرض في فصل الشتاء. ما ننحتاج إليه هو خطوات عملية حتى نقدر أن نتكيّف مع التغييرات ونستطيع أن نسترجع حياتنا.

أ - إفهم الألم واعترف بهالتكيّف ليس مجرد صراع للبقاء. التكيّف لا يعني أن نعيش متأقلمين مع الحزن ونقول "ماشي الحال". التكيّف هو أن تتحمل الظرف الصعب لكن في نفس الوقت يكون عندك إتجاه واضح لحياتك. من الضروري أن تعرف ليس فقط ما تريده ولكن ما تريد أن تصير، ليس فقط ما كنت في الماضي بل من تريد أن تكون. ما هو هدف حياتك؟ ما هي غاية حياتك؟ هل ستسمح للألم أن يستهلك حياتك أم هل ستكتسب من الألم حكمة وقوة لكي تخدم نفسك وتخدم الآخرين؟ الألم له دائماً قطباً ثانياً يجب أن نسير بإتجاهه، قطب البركة والنضج والحكمة، لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديفهم الألم والإعتراف به هو أول خطوة للشفاء لكن الإعتراف بالألم لا يعني أبداً أنك لا تفعل الأشياءالتي يجب عملها. من الجيد أن نصبر ولكن الصبر لا يعني الإنسحاب من الحياة ، يجب أن ننتظرعمل الرب ولكن الإنتظار لا يعني أنه ليس علينا مسؤولية القرار ومسؤولية الفعل. أحياناً يجب أن نقبل ما لا نستطيع تغيره وأن نتصالح مع الأشياء التي لا نستطيع أن نتحكم بها، ولكن هذا لا يعني أبداً أنه ليس لدينا مسؤولية لمحاربة الشر إن كان الشر يريد أن يدمر حياتنا.

ب - اضبط عواطفك: علينا التدرّب على السيطرة على كل العواطف السلبية وضبطها حتى لا تصبح هي المسيطرة على حياتنا. بعض المشاعر لا تموت أبداً مشاعر الحزن على أناس خسرناهم، شعورنا بالأسف على فرص أضعناها، المشاعر التي تربط بأشياء غيرت حياتنا قد لا تموت لكن هذا لا يعني أنه عندما نحُس بهذه المشاعرأننا لم نشفى بعد وأننا ما زلنا نراوح في مكاننا، أبداً. لكن هذا يعني أنه يجب أن نتعامل مع هذه الأحاسيس، يزما ً فيوم. فلا نسمح لها أن تعود لتسكن في نفسك بل إعتبرها في زيارة، واستبدلها بمشاعر من الحاضر بأفكار إيجابية تعطيك قوة. تعلم كيف تعيش في الحاضر وليس في الماضي. كلمة الرب تعلمنا "مضطهدين لكن غير متروكين مطروحين لكن غير هالكين" (الرسالة الثانية لأهل كورنثوس ٤:٩)، مما يعني أننا عارفون أن لنا أعداء كثيرون لكننا غير متروكين، إذ لنا صديق في الرب يسوع الذي قال "لا أعود أسميكم عبيد بل أصدقاء". أعطانا الله حب مجاني في المسيح وكفارة لخطايانا، ألا يهبنا معه كل شيء، ألا يقدر أن يعطينا قوة؟ فهل ستستسلم لأفكار الضعف مثل التفكير بأنك وحيد وليس عندك أحداً، أم ستلتفت للمعونة التي قد حضّرها الرب لك؟ 

ج - شكِّل عادات جديدةتشكيل عادات جديدة من خلال فكر جديد وخيارات جديدة خطوة مهمة جدا ً لحياتنا ونمونا. الفكر الصحيح يجعلنا نتصرف بشكل صحيح ويعطينا هوية جديدة. أنت تستطيع أن تفصل نفسك عن الماضي . نستطيع أن نختار أفكارنا وعلى أساس أفكارنا نبني كل عاداتنا. الكتاب المقدس يعلمنا  "أخيراً أيها الإخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسر، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة وإن كان مدح، ففي هذه إفتكروا" (الرسالة لأهل فيليبي ٤: ٨). نحن نختار كلماتنا لكن لا نحاسب أنفسنا على أفكارنا. أفكارنا لا تولد بالصدفة فينا. علينا أن ندرِّب أنفسنا أن نرفض الأفكار السلبية، الأفكار التي فيها أذى، ونستسثمرها بالفكر الصالح، "كل ما هو حق بهذا إفتكروا". كل شي نتدرب عليه بشكل يومي يصبح جزءً ثابتاً من حياتنا؟ ما هي الأشياء التي تدرب نفسك عليها؟

لم يعطنا الله روح الفشل، الله أعطانا قدرة نستطيع  تنميتها وتطويرها حتى ننتصر على كل محنة وكل ظرف صعب. "لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يوماً فيوم" (رسالة كورنثوس الثانية ٤: ١٦). الله يريد أن يجدد قوة قلبك اليوم حتى يجدد كل حياتك. أطلب منه الشجاعة وقل له "يا رب أنا مستعد لفكر جديد وأعمال جديدة".

 الله أيضاً يريد أن يستخدم إنتصارك على الألم في حياتك وإختبار شفاءك كي يشفى الناس الذين هم في حياتك لكي يغير حياتهم أيضاً.  الأزمة لا تعني أننا خسرنا الشجاعة والجرأة والمهارات التي علمتنا إياهن الحياة، بل ما نحتاجه هو إتباع الخطوات العملية حتى نقدر أن نتكيّف مع التغييرات ونقدر أن نسترجع حياتنا.


Comments

Name : All fields marked with a red asterisk are required.
Email : (required, hidden)
Comment :